سيد محمد طنطاوي

321

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالفتح هنا : الإطلاق والإرسال على سبيل المجاز . بعلاقة السببية لأن فتح الشيء المغلق ، سبب لإطلاق ما فيه وإرساله . أي : ما يرسل اللَّه - تعالى - بفضله وإحسانه للناس من رحمة متمثلة في الأمطار ، وفي الأرزاق ، وفي الصحة . . وفي غير ذلك ، فلا أحد يقدر على منعها عنهم . * ( وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه ) * أي : وما يمسك من شيء لا يريد إعطاءه لهم ، فلا أحد من الخلق يستطيع إرساله لهم . بعد أن منعه اللَّه - تعالى - عنهم . * ( وهُوَ ) * - سبحانه - * ( الْعَزِيزُ ) * الذي لا يغلبه غالب * ( الْحَكِيمُ ) * في كل أقواله وأفعاله . وعبر - سبحانه - في جانب الرحمة بالفتح ، للإشعار بأن رحمته - سبحانه - من أعظم النعم وأعلاها ، حتى لكأنها بمنزلة الخزائن المليئة بالخيرات ، والتي متى فتحت أصاب الناس منها ما أصابوا من نفع وبر . و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مِنْ رَحْمَةٍ ) * للبيان . وجاء الضمير في قوله : * ( فَلا مُمْسِكَ لَها ) * مؤنثا ، لأنه يعود إليها وحدها . وجاء مذكرا في قوله * ( فَلا مُرْسِلَ لَه ) * لأنه يشملها ويشمل غيرها . أي : وما يمسك من رحمة أو غيرها عن عباده فلا يستطيع أحد أن يرسل ما أمسكه - سبحانه - . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّه بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَه إِلَّا هُوَ . وإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِه . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : وإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّه بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَه إِلَّا هُوَ . وإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 2 » . قال ابن كثير : وثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري . أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول : سمع اللَّه لمن حمده . اللهم ربنا لك الحمد . ملء السماوات والأرض . وملء ما شئت من شيء بعد . . اللهم لا مانع لما أعطيت . ولا معطى لما منعت . ولا ينفع ذا الجد منك الجد « 3 » - أي : ولا ينفع صاحب الغنى غناه وإنما الذي ينفعه عمله الصالح . .

--> ( 1 ) سورة يونس الآية 107 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 17 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 520 .